القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر الأخبار



بقلم/ هدى عبدالله 
---------------------

داخل كافيه ليس مزدحما بالناس وكل من المتواجدين بينهم الذي ينتظر رفاقه، وبينهم من ينتظر احبائه، و منهم الذي لازم محموله باسم الثغر وهو ينظر إلى شاشة صماء هي بمثابة كل الأصدقاء، العالم صار أكثر جمودا صار بلا مشاعر، صرنا نراقب أنفسنا عبر الهواتف أكثر مما نهتم ببعضنا البعض، أصبح التواصل وهمي، ولم يعد التواصل الحسي والمعنوي، أين ذلك  الود  الذي تشعر دفئه في سلام صديق قديم عرفته في طفولتك و تسابقتما إلى أهداف طالما حلمتما بها و تحقق الحلم و أخفق احيانا، في كل وقت َحين كنتما على قلب رجل واحد، وليس هاتف واحد.. 
في هذا الكافيه جلست نادية التي يقترب عمرها من عمر صديقتها ليلى فهما في العقد الرابع من العمر ومع ذلك كل منهما لا تعطيه عمره الحقيقي وذلك لجمالهما و حسنهما المليء بالود والسماحة و الراحة، نادية لم تنتظر كثيرا، تدخل ليلى من باب الكافيه، تسير بهدوء أو ان شئت قلت تسير بلامبالاة، حتى تستقر عند نادية التي قامت وحضنتها و قبلتها بود وحنان، شعرت من خلال هذا الحضن أن شيئا غير سار سوف يحدث أو ربما حدث، فأسرعت تقول : اجلسي يا ليلى، استريحي، ماذا بك، اعتقد انك لستي على ما يرام، و ان هذا الهدوء الذي أراه هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، انا ما رأيتك قط بتلك الحالة، لقد تغيبتي عني كثيرا وكنت ابحث عنك في كل مكان كنا نذهب إليه فلم أجدك، حتى هواتفك دائما مغلقة، ماذا حدث؟ 
أخبريني ألسنا أصدقاء، لا بل انتِ اختي و رفيقة دربي، فهلا أخبرتني ماذا بك حتى استطيع مساعدتك.. تكلمي قولي اي شيء.. تكلمي... 
قالت ليلى لصديقتها  نادية في حسم يعتليه الأسى والشرود :
لابد لي أن اهاجر
نادية في ذهول: ماذا؟
ليلى : لا تتعجبي هذا أمر استقرت عليه نفسي و استراحت له
نادية باقتضاب: اي أين؟
ليلى : سوف اهاجر من نفسي إلى.. نفسي
نادية تشخص بصرها وتدقق في وجه ليلى : نعم 🙄
ليلى في هدوء حزين وشرود رزين: أجل هو كما سمعتي، سوف أعد حقائب ذكرياتي و اوجاعي، و أنظم احزاني و اتقبلها و أحملها و ارحل، ربما عندما اصل الى نفسي اعيد النظر في أحداث مرت بي ومررت بها، و تركت في نفسي أثرا غير جيد  أو عكس ذلك، ولسوف افند فوق طاولتي كل ما نظمته في تلك الحقائب التي عبأتها بكل ما يخصني من ايام و ساعات حفرت في عقاربها فنالني منها بعض السم... (قالت ذلك بأعين اغرورقت بدموع عزيزة ثم سكتت)
لا شك أن نادية الصديقة الصدوقة باتت في ذهول مما تسمع، أيقنت أن صديقتها تمر بمحنة هي أصعب عليها من هجرة حقيقية تحدث في أرض الواقع، من الصعب علينا أن نتحمل تلك الهجرة النفسية التي نشد إليها الرحال بينما نحن بين احبائنا و أصدقائنا و ذوينا، ترى ماذا يلزم الإنسان وحوله ذلك الحشد من البشر فلا يشعرونه ولا يشعرهم، يتودد إليهم فتخيب آماله   فيتركهم، ثم يولي وجه شطر هجرة نفسية عله يراجع نفسه ليحكم في قضيته وحده، يعرف من الجاني و من المجني عليه، ينصب من نفسه متهما و قاضيا ربما تنفتح أمامه طاقة من نور ليبصر الحقيقة، نعم الحقيقة فهي الخلاص الوحيد الذي يؤازره و يأخذ بيده إلى بر الأمان..
(٢)
نظرت ليلى نظرة إلى نادية نظرة ثابتة و كأن عقلها يختزن صورة (نادية) الصديقة المحبة الغالية التي قلما يوجد مثلها في هذا الزمن، تستعد للوقوف لتقول بابتسامة صافية يعلوها الوجع:اشوف وشك بخير
تقف نادية في ذهول، رأسها تملأه أسئلة شتى لكنها تحاول أن تتفهم فلا وقت لطرح الأسئلة على من غادر الحياة وهو حيا، تحتضنها بشدة وهي تبكي وتقول : يصعب علي أن اراكي بهذا العناء، ويصعب على نفسي اكثر و اكثر ولأول مرة أن تختلي بنفسك وتتفرغي لهذا الألم وحدك دون أن أشاركك اياه ولكن لا بأس، لن الح عليكي في سرد الأسباب ربما كان انفرادك بنفسك فيه الشفاء، اتمنى ان لا تطول هجرتك فأنا في انتظار عودتك من الآن.
يبكيان...، ثم انصرفت ليلي قاصدة باب الكافيه في إصرار وجدية، لتترك نادية وحدها تجلس باكية تتبعها بنظرات تمتليء اضطرابا و أسفا.
عادت ليلى إلى منزلها لتنفرد بليلى وحدها، أغلقت هواتفها، جذبت أسلاك الإنترنت و مزقتها، أغلقت الشرفات والشبابيك، ثم جلست فوق ذلك السرير الذي امتلأت وسيادته بدموعها طيلة أيام ماضية، بل و أحيانا كانت تمزق اغلفة الوسائد بأسنانها، ثم تنظر إليها لتقول بصوت خافت لتلك الوسائد انا آسفة، لكن من أين آتي بمن يقاسمني هذا العناء الدفين الذي أخفيه بابتسامة قلما عرف من حولي انها غير حقيقية. 
بعد أن جلست وقفت مرة أخرى تدور في غرفتها، ربما بدا عليها الذهول أو الشرود، ذهبت تفتح دولاب الملابس بسرعة وشدة، تريد أن تصرخ دون أن يسمعها أحد، تخاف أن يسمعها جيرانها فيسرعوا إليها و تبدأ الأسئلة، ماذا بك؟ماذا حدث؟ هل حدث شيء، هل مات احد؟؟؟؟، هى لا تريد أن تُسأل و ان تجيب، هى لا تريد آية مناقشات في أي شىيء، هى تحيا حالة تتأكد ان علاجها العزل كباقي الأمراض المعدية، هاهي تفتح دولابها، تضع رأسها داخل الدولاب تصرخ بكل ما أوتيت من قوة، ثم يزداد الصراخ ويعلو بينما هي حريصة كل الحرص أن لا يتسرب الصوت، ظلت على هذه الحال حتى خارت قواها و وقعت على الأرض. 

والبقية تأتي..
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات