القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر الأخبار

عندما يتحدث المبدعون عمن يستحقون

كتبت/ هدى عبدالله 
الإسماعيلية 
قليلا ما نجد من هو يدلي بشهادة حقة، و توجيه النظر إلى مجهود الغير و الثناء عليه، انها نفوسا قد خلت من الأنا لتشير بأصابع الإعجاب والزهو لأعمال الآخرين وما قدموا من أعمال جليلة، كذلك كان الاديب والكاتب الكبير / عبدالحميد البسيوني عندما تحدث عن أديب الإسماعيلية الراحل "محمد عيسى القيري"، ليعلمنا كيف يحب المبدعون بعضهم بعضا بل و يؤمنون بما يقدموه ويثنوا عليه، فقد قال عن اديبنا الراحل:

الشهاب الذي انطفأ سريعا
والسحابه التي مرت ولم تمطرالا قليلا
هذا هو عيسى القيري وتلك قراءة في قصصه، ففي بداية الثمانينات جاء الي الاسماعيليه ومعه مجموعه قصصيه بعنوان محطات للحزن
جاء بعد رحله طويله من الجنوب الي السويس الي السعوديه فالقاهره التي انهي فيها دراسته في كلية الآداب
لم يكن مجرد كاتب ولكنه كان مثقفا عضويا القى احجاره الثقيله في بركة الحياة الثقافيه الراكده فأحدثت انقلابا ودويا هائلا جعلا للقصه القصيره خارطه جديده وشكلا اكثر جمالا
افرز تواجده في قصر الثقافه ونادي ادبها مجموعه من الكتاب الشباب عندئذ ساروا على نهجه محمد المصري إبراهيم فاروق احمد ابو المعاطي اضافه الي جمال عبد المعتمد وصفيه فرجاني وأخرين ثم افرز مجموعته القصصيه اللافته احلام وسكاكين ولم يمهله القدر لاستكمال مشروعه الهام فلم يترك لنا سوي مجموعتيه محطات للحزن واحلام وسكاكين 
في مجموعته الأولى نجد سمات القيري التي ستلازمه طوال عمره القصير. اللغة العربيه الرصينه والاقتصاد والتكثيف والبعد عن الطنطنه واللغو العاطفي كذلك رؤيته العميقه للواقع المنحازه الي شرائح المجتمع المقهور مع ما يتناسب مع انحياز الطبقي وفهمه الصحيح لقوانين الواقع وأهم من ذلك كله انك تجد في قصص القيري ايقاعا محكما حازما يجعل من قصصه كأنها قصائد او كأنها حمامات تطير وفق نظام صارم من الجمال تتكون المجموعه من سبع قصص سبع طلقات محكمات ضد القهر والاغتراب الإنساني والقتل الذي يعاني منه الإنسان المصري يتجسد كل ذلك في االقصه التي تاخذ المجموعه اسمها حيث تصطدم بحس تراجيدي رفيع المستوى لا تجده سوي في المسرح اليوناني القديم او عند شكسبير 
تباغت البنت السمراء الولد الثلاثيني الجنوبي الذي هو الكاتب في أغلب الظن؛ من يصلح للحزن لا يصلح للحب
انه معبا بالحزن لانه يرى عبر رحلته الطويله من اسوان الي القاهره ويفكر ومن يرى ويفكر في هذا الواقع لابد أن تصيبه لعنة الحزن
كان موظفا بالقاهره تم نقله الي اسوان لانه معارض للنظام وهناك يعشق هذه البنت السمراء الجميله يعيشان قصة حب مضطرب لكونه إنسانا استثنائيا وهي بنتا متوافقه مع موسيقا المجتمع الراكد فكان حتما ان تفشل هذه العلاقه لانه؛ قالت بلغه كنصل حاسم ، انت لاتصلح لشئ
 وفي رحلة العوده يسلط الضوء بقوه على نماذج من شخصيات مصريه داخل القطار وهو يحاول ان يلملم الجرح الذي ينزف داخله ويفكر في أن امه التي تنتظره في المنزل هي الوحيده القادره على أن تشفي جراحه ولكن:
صعدت السلالم قفزا طرقت الباب فتحه اخي الأكبر كان بملابس كامله لكنها مكرمشه وقذره ولاحظت بجزع رباط العنق السوداء وعينيه الحمراوين المنتفختين احتضنني واقفل الباب :أين ماما كان يقف ورائي وانا ادور في الشقه التفت اليه ارتمي في حضني وانفجر في بكاء حاد 

المجموعه الثانيه؛ احلام وسكاكين مثل الأولى تمتاز بأنها تجمع في اصاله نادره بين مفردات الواقع اليومي المعاش وبين مايمكن تسميته بموسيقى الروح هذه الكتابه سكاكين تقطع في حزم ودربه لحم الواقع في أكثر مواضيعه فسادا لكي تعرضه لنا في فاترينه النهائي والمطلق وهي هذه القصص تصل في مهاره نادره أيضا الخيط الذي انقطع بموت يحيا الطاهر وأمل دنقل
القيري اذن واحد من البنائين الجنوبيين الحاملين منذ الأزل معول الهدم ومسطرين البناء
وفي هذه المجموعه يؤكد الكاتب انتمائه لذلك لذلك الفصيل من كتاب العربيه الكبار المعبرين بلغه رصينه وراسخه عن وجدان واحلام سكان الوادي وهو بلغته المسكينه تلك واصالته يؤكد لنا بأن المدرسه الواقعيه في الفن مازالت قادره على الكشف والعطاء فالجمال عنده ليس مشغولا بالحداثه او ما بعدها قدر اشغاله بهموم انسان اليوم وضياعه في غابة الواقع المعاصر
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات