القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر الأخبار


رواية بقلم/ هدى عبدالله 
الإسماعيلية 

داخل كافيه ليس مزدحما بالناس وكل من المتواجدين بينهم الذي ينتظر رفاقه، وبينهم من ينتظر احبائه، و منهم الذي لازم محموله باسم الثغر وهو ينظر إلى شاشة صماء هي بمثابة كل الأصدقاء، العالم صار أكثر جمودا صار بلا مشاعر، صرنا نراقب أنفسنا عبر الهواتف أكثر مما نهتم ببعضنا البعض، أصبح التواصل وهمي، ولم يعد التواصل الحسي والمعنوي، أين ذلك الود الذي تشعر دفئه في سلام صديق قديم عرفته في طفولتك و تسابقتما إلى أهداف طالما حلمتما بها و تحقق الحلم و أخفق احيانا، في كل وقت َحين كنتما على قلب رجل واحد، وليس هاتف واحد.. 
في هذا الكافيه جلست نادية التي يقترب عمرها من عمر صديقتها ليلى فهما في العقد الرابع من العمر ومع ذلك كل منهما لا تعطيه عمره الحقيقي وذلك لجمالهما و حسنهما المليء بالود والسماحة و الراحة، نادية لم تنتظر كثيرا، تدخل ليلى من باب الكافيه، تسير بهدوء أو ان شئت قلت تسير بلامبالاة، حتى تستقر عند نادية التي قامت وحضنتها و قبلتها بود وحنان، شعرت من خلال هذا الحضن أن شيئا غير سار سوف يحدث أو ربما حدث، فأسرعت تقول : اجلسي يا ليلى، استريحي، ماذا بك، اعتقد انك لستي على ما يرام، و ان هذا الهدوء الذي أراه هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، انا ما رأيتك قط بتلك الحالة، لقد تغيبتي عني كثيرا وكنت ابحث عنك في كل مكان كنا نذهب إليه فلم أجدك، حتى هواتفك دائما مغلقة، ماذا حدث؟ 
أخبريني ألسنا أصدقاء، لا بل انتِ اختي و رفيقة دربي، فهلا أخبرتني ماذا بك حتى استطيع مساعدتك.. تكلمي قولي اي شيء.. تكلمي... 
قالت ليلى لصديقتها نادية في حسم يعتليه الأسى والشرود :
لابد لي أن اهاجر
نادية في ذهول: ماذا؟
ليلى : لا تتعجبي هذا أمر استقرت عليه نفسي و استراحت له
نادية باقتضاب: اي أين؟
ليلى : سوف اهاجر من نفسي إلى.. نفسي
نادية تشخص بصرها وتدقق في وجه ليلى : نعم 🙄
ليلى في هدوء حزين وشرود رزين: أجل هو كما سمعتي، سوف أعد حقائب ذكرياتي و اوجاعي، و أنظم احزاني و اتقبلها و أحملها و ارحل، ربما عندما اصل الى نفسي اعيد النظر في أحداث مرت بي ومررت بها، و تركت في نفسي أثرا غير جيد أو عكس ذلك، ولسوف افند فوق طاولتي كل ما نظمته في تلك الحقائب التي عبأتها بكل ما يخصني من ايام و ساعات حفرت في عقاربها فنالني منها بعض السم... (قالت ذلك بأعين اغرورقت بدموع عزيزة ثم سكتت)
لا شك أن نادية الصديقة الصدوقة باتت في ذهول مما تسمع، أيقنت أن صديقتها تمر بمحنة هي أصعب عليها من هجرة حقيقية تحدث في أرض الواقع، من الصعب علينا أن نتحمل تلك الهجرة النفسية التي نشد إليها الرحال بينما نحن بين احبائنا و أصدقائنا و ذوينا، ترى ماذا يلزم الإنسان وحوله ذلك الحشد من البشر فلا يشعرونه ولا يشعرهم، يتودد إليهم فتخيب آماله فيتركهم، ثم يولي وجه شطر هجرة نفسية عله يراجع نفسه ليحكم في قضيته وحده، يعرف من الجاني و من المجني عليه، ينصب من نفسه متهما و قاضيا ربما تنفتح أمامه طاقة من نور ليبصر الحقيقة، نعم الحقيقة فهي الخلاص الوحيد الذي يؤازره و يأخذ بيده إلى بر الأمان..
والقصة بقية..
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات